العدد 1437 / 18-11-2020

انتخابات أميركية أخرى، ورئيس جديد في البيت الأبيض، والخطاب الفلسطيني القديم على حاله، مثل دار لقمان، لا يتجدّد ولا يتغير. تداول البيت البيضاوي في واشنطن منذ مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991 خمسة رؤساء، وسادسهم على الطريق، ومع ذلك لا يملّ الخطاب الفلسطيني في كل مرة من تكرار ما قال وقيل من رغبته في العمل مع كل رئيس جديد لعقد مؤتمر دولي لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والوصول إلى حل عادل على أساس قرارات الشرعية الدولية. وفي السنوات الـ18 الأخيرة، زاد الخطاب الفلسطيني على الكليشيه ذاتها عبارة "على أساس .. ومبادرة السلام العربية كما وردت في قمة بيروت العام 2002". وقبل أيام قليلة، سمعنا الرئيس محمود عباس يعود إلى الأسطوانة نفسها، بمناسبة انتخاب الرئيس جو بايدن ليحل مكان الرئيس المنصرف دونالد ترامب.

طبعاً لا يُلام الرئيس الفلسطيني على التوجه إلى كل رئيس أميركي جديد، ومطالبته بالاهتمام بقضية تؤرق السلام في الشرق الأوسط. لكن على الرئيس الفلسطيني تقدير المتغيرات التي طرأت على الإقليم بشكل خاص، والعالم عامة، قبل التوجه إلى سيد البيت الأبيض بخطاب تجاوزته حقائق السياسة والأرض. ومن المهم هنا الإشارة إلى مجموعة من هذه المتغيرات التي استجدّت في الإقليم على الأقل، وتستدعي من الفلسطيني التعاطي معها بالضرورة.

أولا، ما تسمى المبادرة العربية للسلام، أو مبادرة بيروت 2002، التي قدّمتها السعودية إلى القمة العربية في بيروت، ونصت بالأساس على " التزامهم (القادة العرب) بالتوقف عن إقامة أية علاقات مع إسرائيل حتى تستجيب لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ومرجعية مؤتمر مدريد للسلام، والانسحاب من كافة الأراضي العربية المحتلة حتى خطوط الرابع من حزيران1967". بالنظر إلى ما ورد في بنود هذه المبادرة، ومقارنته مع ما يجري على أرض الواقع، نرى أن الدول العربية الموقعة على المبادرة، ومنها العربية السعودية، صاحبة المبادرة، لم تعد تلتزم بروح هذه المبادرة، بل أسقطت كل ما ورد فيها. من هنا، لم يعد يجدي أن يتضمن الخطاب الفلسطيني أي إشارة إلى هذه المبادرة التي تخلى أصحابها عنها.

الأمر الآخر، مواصلة الرئيس الفلسطيني الحديث عن "حل الدولتين"، ولا أدري إن كان الواقع على الأرض كما يراه الرئيس أبو مازن من نافذة بيته أو مكتبه في رام الله ظل فيه ما يتسع لدولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. الحقائق على الأرض تقر بحقيقة أن "حل الدولتين" لم يعد قابلاً للحياة، ويحتاج إلى معجزات خارقة لتطبيقه، ومن المنطق القول إن زمن المعجزات انتهى.

آن الأوان، وبمناسبة انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة الأميركية، تجديد الخطاب الفلسطيني، والتفكير خارج الصندوق، ولو من باب التجريب، بإمكانات حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر ما يُعرف بحل دولة ديمقراطيّة واحدة جامعة، ترتكز على العدالة والمساواة، وتضمن سلامًا حقيقياً في كلّ فلسطين التاريخيّة. دولة ديمقراطيةُ - دستورية واحدة لكل مواطنيها. ليس مثل هذا الحل هجيناً في النظم السياسية المتعارف عليها أو القائمة. على سبيل المثال، نموذج الاتحاد الفيدرالي البريطاني، حيث تتعايش أقاليم ويلز وإنكلترا وإسكتلندا وأيرلندا الشمالية داخل كيان سياسي يُعرف بالمملكة المتحدة، دولة اتحادية ذات نظام ملكي دستوري، يحكمها نظام برلماني مع حكومة مركزية في العاصمة لندن، مع تمتع كل إقليم بحكم محلي مع حكومة وبرلمان محليين.

من البراغماتية السياسية، وبعد فشل كل المبادرات القائمة على "حل الدولتين"، وصياغة إسرائيل حقائق على الأرض تحول دون قيام كيان فلسطيني مستقل، لا يضرّ ترك الباب موارباً أمام فكرة الدولة الديمقراطيّة الواحدة في كلّ فلسطين التاريخيّة، حلا ممكنا للصراع وتفكيك نظام الأبارتهايد الاستعماري، وإقامة نظام سياسيّ مبني على العدالة والمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين، وعلى التطبيق الكامل لحقّ العودة، ورفع الظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني منذ العام 1948.