العدد 1336 / 7-11-2018

بقلم : بشير البكر

تستحق مسألة تفاعل السوريين مع قضية الصحافي والكاتب السعودي، جمال خاشقجي، أكثر من وقفة خاصة. وعلى الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي حفلت بردود فعل سوريين من جماهير الثورة، تدين وتستنكر الجريمة، إلا أن نقاشاتٍ كثيرةً ذهبت إلى منحىً آخر، وبرز في صورة نافرة استكثار بعضهم التركيز الإعلامي على الجريمة، أو في أحسن الأحوال، هناك من أبدى استغرابا، ووضع إشارات استفهام على الاهتمام الإعلامي الاستثنائي بالقضية، واعتبر إعلاميون سوريون أن التغطية الإعلامية التي حظيت بها قضية خاشقجي فاقت تلك التي واكبت الثورة السورية.

لا ضرورة تستدعي تفنيد وجهات النظر هذه، لأنها في أغلبها ردّات فعل قائمة على تقديرات غير مدروسة، وتفتقر إلى وسائل قياس مهنية، إلا أن الحالة تفرض إعادة التذكير بالبديهية الأساسية التي جعلت من قضية خاشقجي دوليةً في غضون 48 ساعة. والفضل في ذلك يعود، قبل كل شيء، إلى الدور الذي لعبته الصحيفة التي كان يكتب فيها بانتظام منذ حوالي عام، وهي واشنطن بوست التي أخذت القضية على محمل الجد منذ اليوم الأول لاختفاء جمال خاشقجي في القنصلية في الثاني من تشرين الأول الماضي. وأنا هنا أستطيع تعزيز رأيي بما شهدته في عين المكان، حيث أمضيت أسبوعين وأنا أتابع القضية في إسطنبول، ولمست عن كثب الاهتمام الذي أولته الصحيفة للقضية، حيث أرسلت كبار كتّابها ومحققيها إلى إسطنبول، وكانوا يتناوبون على متابعة تطورات الحدث، ولم يتركوا نقطةً إلا أعطوها نصيبها من الأضواء. وأجد هنا من الضروري التنويه إلى نقطةٍ أساسيةٍ، تهمني أكثر من غيرها، وهي تقاطع الموقف الأخلاقي مع الإخلاص المهني الذي برز وراء عمل صحافيي "واشنطن بوست" الذين غطوا القضية، فهم من جهة محكومون بمتابعة قضية زميلٍ لهم، ومن جهة أخرى كانوا يعملون في منافسةٍ مهنيةٍ مع وسائل الإعلام الأخرى، ويسجّل للصحيفة أنها لم تركن إلى أن خاشقجي هو أحد كتابها، وجلست تنتظر من السلطات التركية أن ترمي لها بالتسريبات، بل إنها تصرفت، مثل بقية وسائل الإعلام، على الرغم من أن الطرف التركي منحها الأفضلية.

إذن، لعبت صحيفة واشنطن بوست دور المحرك الكبير للقضية على مستوى الولايات المتحدة، وعلى الصعيد العالمي، وتمكنت من تكوين رأي عام حول القضية، رفعها من قضية "مواطن سعودي" إلى مصافّ الجريمة السياسية بامتياز. وما كان لها، وهي تتابع هذه القضية، إلا أن تضع في اعتبارها تحقيق سبق كبير يكون له صداه، مثلما حصل عام 1972 عندما فجرت فضيحة ووترغيت، وسجل لها أنها أطاحت عام 1974 رئيس الولايات المتحدة ريتشارد نيكسون، المسؤول عن فضيحة التجسّس على الحزب الديمقراطي.

ومن دون شك، يراود قيادة الصحيفة حلم إطاحة المسؤول عن جريمة خاشقجي. وعلى الرغم من المراوغة السعودية لإخراج ولي العهد، محمد بن سلمان، من دائرة المسؤولية، فإن الصحيفة مستمرّة في التصويب عليه شخصيا، ويوحي الخط العام للتغطية أنها ستواصل خوض المعركة حتى تحقيق هذا الهدف، ورهانها الأساسي على التأثير في الإدارة الأميركية.

من حق السوريين أن يطرحوا السؤال بشأن دور الإعلام في الثورة السورية،على الرغم من أنه يأتي متأخرا قرابة سبع سنوات، إلا أن قضية خاشقجي لا تصلح مثالا للمقارنة، لأنها ذات طبيعة إعلامية في الشكل والمضمون، ويمكن أن نعزو جزءا كبيرا من التعاطف والاهتمام إلى التضامن المهني والأخلاقي مع خاشقجي. وإذا أردنا أن نبحث في المشكلات الكبرى التي واجهت الثورة السورية، فإن الإعلام لا يأتي في الصدارة. وهي بالمقارنة مع أحداث كبرى في العشرية الأخيرة حازت على النصيب الأكبر من التغطية الإعلامية، وذلك بسبب زجّ الإرهاب في مسار الثورة.