الأمان الإقليمي

الفيتو الروسي العاشر حماية للنظام الأسدي
01/12/2017 - عمر كوش

استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار تقدمت به الولايات المتحدة الأميركية، لتمديد عملية اللجنة المشتركة المكلفة التحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية، منهية بذلك عمل اللجنة التي أكد تقريرها الصادر في 26 تشرين الأول الماضي مسؤولية النظام الأسدي عن المجزرة التي ارتكبها بحق المدنيين في خان شيخون، في 4 أيار من العام الماضي، باستخدام غاز السارين المحرّم دولياً. وجاء هذا الفيتو ليؤكد، مرة أخرى، وقوف روسيا ضدّ أي محاولةٍ لإنصاف ضحايا السلاح الكيميائي في سورية، ولحماية النظام الأسدي، وتمكينه من الإفلات من العقاب، بما يجعل العدالة الدولية مغلولة الأيدي، على الرغم من أن القانون الدولي الذي ساهم الروس في وضعه، يحرّم استخدام الأسلحة الكيميائية في الحروب والنزاعات، خصوصاً ضد المدنيين العزل. 
ويعكس تمادي النظام الروسي في استخدام الفيتو مرات عديدة عجز القوى الدولية عن القيام بواجبها في حماية الأمن والسلم العالميّين، وفي الوقوف ضد الانتهاكات والجرائم التي يرتكبها النظام الأسدي ضد غالبية السوريين طوال أكثر من ست سنوات، ما يعني فشل المنظومة الأممية، والتأسيس لنظام عالمي، تسود فيه شريعة الغاب ومنطق القوة العمياء. 
وعلى الرغم من أن النظام الروسي وافق على إنشاء هذه اللجنة التي أنشئت بشكل مشترك بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وعرفت باسم «آلية التحقيق المشتركة» في آب 2015، بهدف التحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية، إلا أن ساسة النظام الروسي ظلوا يشكّكون على الدوام في عملها، وفي النتائج التي توصلت إليها، وسبق للنظام الروسي أن استخدم الفيتو في مجلس الأمن، في 24 تشرين الأول ضد مشروع قرار لتمديد عمل اللجنة، بذريعة الانتظار إلى حين نشر تقرير اللجنة أخيراً، الذي أعلن مسؤولية النظام الأسدي عن مجزرة خان شيخون، فراح الساسة الروس يشكّكون في طريقة عمل اللجنة، وطالبوا بتجميد تقريرها. ولعلهم أرادوا من الاستخدام المتكرّر للفيتو تأكيد مواقفهم الداعمة، للنظام الأسدي، واستمرار استعدادهم لتغطية جميع الجرائم التي يرتكبها ضد غالبية السوريين، بما فيها جرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة التي تتطلب المحاسبة، حسب جميع مواثيق القانون الدولي وأعرافه. 
الخطير أن الفيتو الروسي يدشن سياسة الإفلات من العقاب، حيث يسجل الساسة الروس به سابقة خطيرة من سياسة الإفلات من العقاب على الجرائم ضد الإنسانية، ما يعني تغييب العقوبة عليها، على الرغم من أن خبراء وقضاة في الأمم المتحدة أقرّوا بارتكاب النظام جرائم عديدة، بما فيها جرائم إبادة بأسلحة كيميائية وأسلحة أخرى، الأمر الذي شجع النظام على خرق جميع قواعد القانون الدولي، بالنظر إلى أن هناك من يتولى مسؤولية تغييب الحق، أو أي فعل يرتب المسؤولية الجنائية عليه، وكذلك تغييب المسؤولية المدنية والأخلاقية، الأمر الذي يجعل ساسة هذا النظام يفلتون من كل تحقيقٍ يمكن أن يضعهم محط اتهام. 
وأمام الانسداد والعجز الدوليين في مجلس الأمن حيال الأزمة السورية، على المجتمع الدولي،  مسؤولية البحث عن ممكنات توفير أكثر من طريقة لنصرة العدالة، ونصرة الضحايا السوريين، ووضع حدّ للإفلات من العقاب، وإحالة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في سورية إلى المحاكمة، حيث يمكن الاستناد إلى مبدأ «مسؤولية الحماية» الذي يجيز التدخل العسكري الأجنبي في أي دولة تحدث فيها جرائم إبادة جماعية، في حال عدم حماية سلطات الدولة المعنية مواطنيها. وكان الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق، كوفي أنان، قد طرحه في بداية الألفية الثالثة، منعاً لحدوث جرائم إبادة جماعية، كالتي حدثت في رواندا في عام 1994. وللتذكير، فقد اعترف مسؤولون أمميون عديدون بأن الجرائم التي ترتكب في سورية تجاوزت كثيراً التي ارتكبت في رواندا. 
ويبدو أن ساسة النظام الروسي يعرفون تماماً معالم اللعبة وحدودها مع نظرائهم الأميركيين، وعلى أساسها راحوا يتصلبون في مواقفهم حيال القضية السورية، وبناءً على معرفتهم الحدود التي وضعها الغرب، حيث اختارت الولايات المتحدة الأميركية، صاحبة القوة العسكرية الأكبر، والأكثر مرونة في العالم، اللجوء إلى طريقٍ تتمكّن فيه من إدارة الأزمة، عبر التفاوض مع الروس بيدين خاليتين، طوال سنوات المحنة السورية، بل وسجلت سابقة خطيرة، عندما اكتفى ساسة الولايات المتحدة بإبرام صفقة نزع أسلحة النظام الكيميائية عندما ارتكب مجزرة غوطتي دمشق في 2013، بدلاً من التحرّك لمحاسبة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيميائي، الأمر الذي أعطى للنظام الأسدي إشارة قوية، تشي بأنه سيفلت من العقاب، على الرغم من جريمته المثبتة، وسجل الأميركان بذلك سابقة دولية خطيرة.}