العدد 1456 /7-4-2021

ماهر حجازي

يمر الوضع الفلسطيني السياسي داخليا وخارجيا بجملة من المتغيرات، ويقارع العديد من التحديات التي تفرض على الساسة وصناع القرار والشعب الفلسطيني في الداخل والخارج بكل مكوناته؛ من فصائل ومؤسسات وهيئات وشخصيات وطاقات وطنية العمل وفق رؤية وطنية موحدة لمواجهة جميع المخاطر والمشاريع التآمرية التي تضرب بالقضية الفلسطينية، من التطبيع والاستيطان واستهداف حق العودة ووكالة الأونروا وغيرها.

في ظل هذا الواقع السياسي الفلسطيني المتخبط، يبرز ملف الانتخابات الفلسطينية القادمة التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. ورغم الجدل الحاصل وانقسام الشارع الفلسطيني في نظرته لهذه الانتخابات بين المؤيد لها ومن يرى فيها مدخلا لإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني؛ للدفاع عن القضية الفلسطينية واستعادة مكانة فلسطين عربيا ودوليا وإقليميا، وبين من يرى في هذه الانتخابات تكريسا للانقسام ومرحلة جديدة لمزيد من حالة الإرباك السياسي والتيه الذي تعيشه الحالة الفلسطينية.

الرأي الفلسطيني الراجح فيما يتعلق بالانتخابات الفلسطينية وإنهاء الانقسام يقوم على البدء أولا بتحقيق وحدة وطنية، والاتفاق على طي صفحة الانقسام وتحقيق المصالحة فعليا، ومن ثم التوجه إلى صناديق الاقتراع، لكن الواضح أن قرار الانتخابات هو نتاج التفاهمات الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس ومعهما بقية الفصائل الفلسطينية، والتي تنظر إلى أن المصالحة تأتي مع الانتخابات وليست قبلها، وتعتقد في قرارة نفسها أن المصالحة وصلت إلى حائط مسدود وأن الثغرة الوحيدة في هذا الجدار هي التوافق على إجراء انتخابات فلسطينية.

فرضية الانتخابات ثم المصالحة هي سبب تخوف جزء من الشعب الفلسطيني أو من يرون في هذه الانتخابات مرحلة جديدة لتعميق الأزمة الفلسطينية وتعزيز الانقسام الفلسطيني، وأنه من المفترض تحقيق المصالحة ومن ثم التوجه إلى الانتخابات الفلسطينية على قاعدة التنافس السياسي الوطني.

الانتخابات التشريعية الفلسطينية المزمع عقدها في أيار/ مايو المقبل وبحسب لجنة الانتخابات المركزية؛ سجلت فيها 36 قائمة انتخابية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحاصر، في حين شاركت 11 قائمة انتخابية في انتخابات 2006 التي فازت فيها حركة حماس.

العدد الكبير في القوائم الانتخابية التي تقدمت للمشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية يعكس الرغبة الكبيرة لدى شعبنا الفلسطيني في تغيير الوضع الفلسطيني السياسي القائم منذ سنوات طويلة، ويعبر أيضا عن رفض كبير لسياسة السلطة الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني الذي فقد شرعيته أيضا منذ سنوات.

المراقب لأسماء القوائم الانتخابية المطروحة والتي من المقرر أن يتم اعتمادها من قبل لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية ويعلن عنها مع نهاية نيسان/ أبريل الجاري؛ يجد أنها تحمل عناوين على سبيل المثال لا الحصر: "الحرية والكرامة" و"نبض البلد" و"الحراك الوطني الفلسطيني" و"صوت الناس" وقائمة "حلم" وغيرها.

جميع هذه المسميات تعكس حقيقة واقع الشارع الفلسطيني الذي يرغب بالتغيير السياسي وتحقيق نهضة كبيرة في الحالة الفلسطينية السياسية، وإحداث تغيير حقيقي في المشهد الفلسطيني تكون له تأثيرات إيجابية على قضيتنا الفلسطينية.

اليوم الشباب الفلسطيني ينافس على دوره الذي غُيب عنه بشكل كبير في النظام السياسي الفلسطيني، والذي تتفرد به شخصيات شاخت وهرمت ولا تزال تتوارث المسؤوليات وتترأس الهيئات في تغييب للشباب الفلسطيني عن دوره في المشروع الوطني الفلسطيني.

وبالنظر إلى المعطيات التي رافقت تشكيل والتقدم والإعلان عن القوائم الانتخابية، وخاصة الفصيلين الأبرزين في الساحة الفلسطينية (فتح وحماس)، فإنه على الرغم من انشغال حركة حماس في انتخاباتها الداخلية والتي رأى فيها مراقبون قد تؤثر على مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية، أو ما جرى الحديث عنه من خلال الإعلام بتوافق حمساوي فتحاوي على قائمة انتخابية واحدة.. جاء إعلان حركة حماس بالتقدم للجنة الانتخابات المركزية في قطاع غزة والضفة بقائمتها الانتخابية التي حملت اسم "القدس موعدنا"، ليغلق الباب أمام القائمة الموحدة بين حماس وفتح، وأن انتخابات حماس الداخلية ولو جاءت بقيادة جديدة للحركة لم يكن لها تأثير في تغيير قرار الحركة من المشاركة في الانتخابات الفلسطينية.

تقديم حركة حماس لقائمتها الانتخابية والإعلان عنها دون أي إشكاليات على صعيد حماس الداخلي؛ يعكس طبيعة الحركة ونظامها الشورى والمؤسساتي، والتجانس بين مكونات الحركة التي فازت في انتخابات 2006 ثم انقلبت السلطة والمجتمع الدولي على نتائج هذه الانتخابات.

المشهد الإعلامي الذي خرجت به حركة حماس في تقديم قائمتها الانتخابية، سواء في قطاع غزة والضفة، يسجل لها في إطار العمل الديمقراطي، ولا شك أنه سيحدث علامة فارقة لدى الناخب الفلسطيني الذي يتابع الأحداث الجارية للعملية الانتخابية الفلسطينية.

في المقابل، سُجلت العديد من القوائم الانتخابية الفلسطينية المستقلة أو الفصائلية أو العشائرية أو الشبابية، ولم نسمع عن إشكاليات أو خلافات داخلية في هذه القوائم على مستوى المشاركين فيها، ولم تترافق مع ضجة إعلامية تستهدف رموزا في هذه القوائم، بينما حركة فتح التي تتزعم الحالة الفلسطينية السياسية كانت آخر من قدمت قائمتها الانتخابية إلى لجنة الانتخابات المركزية في فلسطين. وجاءت هذه القائمة بعد مخاض عسير وإشكاليات رافقت تشكيل القائمة التي حملت اسم التنظيم "حركة فتح"، وسط خلافات حادة وانتقادات فتحاوية للعديد من الأسماء المطروحة في القائمة، ليصل الأمر إلى خلافات وانسحابات من القائمة فقط لمجرد رقم المرشح في القائمة وترتيب الأسماء.

الخلاف الفتحاوي انعكس أيضا في الشارع الفلسطيني في الضفة من خلال أحداث إطلاق الرصاص في بعض المدن، كتعبير عن رفض مشاركة شخصيات معينة في قائمة فتح الانتخابية أو المطالبة بشمول قائمة فتح لأسماء أخرى.

وهي رسالة لشعبنا الفلسطيني تفهم في سياق أن الخيار الآخر للسلطة القائمة حاليا هي الفوضى والانفلات الأمني، والذي يعني مزيدا من التدهور في الحالة السياسية الفلسطينية.

لذا يجري الحديث اليوم عن أزمة سياسية تعيشها حركة فتح توسعت رقعتها مع الانتخابات التشريعية، لتصل إلى فصل قيادات من الحركة وتشكيل قوائم انتخابية جديدة من القيادات الفتحاوية المفصولة.

وهنا تبرز قائمة ناصر القدوة الذي فصله الرئيس محمود عباس مؤخرا من فتح، والذي اتجه إلى التحالف مع الأسير مروان البرغوثي للدخول في قائمة موحدة حملت اسم "الحرية"، بالإضافة إلى قائمة القيادي المفصول محمد دحلان.

وشكلت تصريحات القدوة الذي قال فيها إن جميع قوائم حركة فتح لديها مشاكل مع الإسلام السياسي؛ ضربة استباقية لنتائج الانتخابات بالنسبة لقائمته، وسيكون لها تأثير على شريكه في القائمة، مروان البرغوثي.

بالتالي، أن تخوض حركة فتح الانتخابات التشريعية القادمة بأكثر من قائمة تضم قيادات من فتح مفصولين أو غير مفصولين، سيكون في صالح بقية القوائم الانتخابية، وربما تكون قائمة حماس هي الأكثر استفادة من هذه الأزمة الفتحاوية، حيث ستشتت هذه الأزمة أصوات الناخبين الفتحاويين بين القوائم الفتحاوية، وربما تدفع الكثير منهم للتصويت لقوائم أخرى من باب الاعتراض ومعاقبة قيادة حركة فتح التي تسببت في هذه الأزمة الداخلية.

في حال أدركت السلطة الفلسطينية مخاطر الدخول في الانتخابات بأكثر من قائمة محسوبة على فتح وتوقعت خسارتها في الانتخابات، في هذه الحالة نحن أمام عدة سيناريوهات للانتخابات الفلسطينية القادمة:

السيناريو الأول أن يعلن محمود عباس تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، ربما إلى حين إيجاد توافق فتحاوي وحل الإشكاليات والمشاركة بقائمة فتحاوية واحدة تضمن من خلالها الفوز بالانتخابات التشريعية.

وربما يتخذ عباس من موقف الاحتلال الإسرائيلي برفض إجراء الانتخابات في القدس حجة لتأجيل أو تعطيل الانتخابات، على قاعدة أنه لا انتخابات بدون القدس، بالرغم من ترحيب الاتحاد الأوروبي بالانتخابات الفلسطينية والمساعي الأوروبية للضغط على الاحتلال للسماح بالانتخابات في القدس.

السيناريو الثاني أن تجرى الانتخابات في موعدها، وفي حال خسرت حركة فتح في الانتخابات تتكرر تجربة 2006 ويتم الانقلاب على نتائج الانتخابات، وهنا نكون أمام توسيع لحالة الانقسام الفلسطيني والذي ستكون نتائجه كارثية.

لكن الحديث عن النسبة الانتخابية يمكن أن يكون الضامن في عدم تكرار سيناريو انتخابات 2006، حيث لا يكون هناك طرف فائز في الانتخابات، ويجري العمل على تشكيل ائتلاف حكومي يضم القوائم الفائزة في الانتخابات بحسب أصواتها.

السيناريو الثالث أن يمنع الاحتلال الإسرائيلي إجراء الانتخابات في القدس ويرفض الدعوة الأوروبية للسماح بذلك، فيكون الاحتلال المسؤول المباشر عن تعطيل الانتخابات، في ظل تأكيد جميع الفصائل الفلسطينية على أن الانتخابات يجب أن تجرى في القدس أيضا.

مع السيناريوهات الثلاثة يتطلب موقفا فلسطينيا وتوافقا على برنامج نضالي يقوم على إنهاء اتفاق أوسلو، ووقف التنسيق الأمني لاستعادة حقوق شعبنا الفلسطيني كاملة.