العدد 1362 / 15-5-2019

منصور المعلا

يقف الأردن اليوم أمام لحظة دقيقة، مع تحول التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة، بوصفها الضامن لاستقرار البلاد، إلى تهديدٍ يطاول الدولة، في ظل تحولاتٍ عميقة في الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط.

بدأ التحالف الأردني الأميركي مبكرا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومع تراجع دور الإمبراطورية البريطانية التي كانت تمارس انتدابا على البلاد، قبل الاستقلال في 25 أيار 1946، ليأتي قرار تعريب الجيش، وإنهاء خدمات الضباط البريطانيين، في عام 1956، ليدشن مسار نهاية الحقبة البريطانية، ودخول الأردن في إطار المعسكر الغربي، الأميركي تحديدا.

وبقي الأردن على الدوام مدركا لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وفي مقدمتها مواجهة الخطر السوفييتي، إلا أن ذلك التحالف والتفاهم تعرّضا لهزات كبرى، وكان احتلال الضفة الغربية عام 1967 التي كانت تحت الحكم الأردني أكبر الهزات التي راكمت طوال العقود الماضية إشكالات كبرى على المستوى الداخلي، ومخاوف مقيمة تحت عناوين الوطن البديل والتوطين، وأسهمت في إيجاد تنازع أردني ــ فلسطيني على ورقة التمثيل، والتي انتهت بالاعتراف العربي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للفلسطينيين، على غير رغبة الأردن، إذ كان القرار الأممي 242، والذي ينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عنوانا للتفاهم الأردني ــ الأميركي بشأن مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي.

بقي الأردن حريصا على الحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة، إلا أن غزو العراق الكويت في صيف 1990، ورفض الأردن الانضمام للتحالف الدولي، أدى إلى تراجع تلك العلاقة، لتتعافى سريعا بعد مؤتمر مدريد للسلام من خلال الوفد الأردني ــ الفلسطيني المشترك، ثم اتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، واتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل. وشكل "حل الدولتين" الضمانة الأردنية للحفاظ على مصالح الأردن في أي تسوية نهائية للقضية الفلسطينية، وخصوصا في ملفات الحل النهائي التي تتعلق باللاجئين والحدود والأمن والمياه والمقدسات. وبقي الأردن، طوال العقدين الماضيين، منخرطا في الجهود الدولية الساعية إلى إنجاز هذا الحل، عبر مؤتمرات دولية، منها أنابولس 1 وواي ريفر، إلا أن تلك المؤتمرات انتهت دوما من دون تحقيق اتفاق نهائي ينهي الاحتلال الإسرائيلي ويعيد للشعب الفلسطيني حقوقه.

اليوم، ومع عزم الإدارة الأميركية إعلان "صفقة القرن"، يترقب الأردن تداعياتها، وخصوصا على الأمن الوطني والمصالح الحيوية للبلاد، وهو ما دفع الملك عبد الله الثاني إلى التصعيد على أكثر من جبهة، أولا بالإشارة إلى وجود ضغوط تمارس على الدولة الأردنية، لتقديم تنازلاتٍ فيما يتعلق بالصفقة، وهو ما دفع الملك إلى التأكيد على رفض تلك الضغوط، والتأكيد على رفضه توطين الفلسطينيين في الأردن، وهو ما تنص عليه الصفقة، من خلال شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وذلك على حساب الأردن الذي يرفض التنازل عن حق الوصاية على المقدسات، عبر إعلان القدس عاصمة أبدية لإسرائيل.

في موازاة المواقف المعلنة، خطا الأردن خطواتٍ أخرى في سياق استعداده للمواجهة، أهمها إعادة ترميم العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما بدا واضحا في سلسلة من الإجراءات، منها تبرئة أعضاء جمعية المركز الإسلامي الذين اتُهموا بالفساد منذ نحو عقد، ولقاء الملك مع كتلة الإصلاح النيابية (الإخوان وتحالفاتهم)، إضافة إلى التغاضي الرسمي عن النتائج التي حققها الإخوان المسلمون في انتخابات الغرف التجارية والنقابات واتحادات الطلبة.

يأتي هذا التموضع الأردني في إعادة ترميم العلاقة مع الإخوان في إطار إدراك الأردن أن غزة وحركة حماس هي العنوان الأبرز الذي يمكن الاتكاء عليه لإفشال الصفقة ومنع تمريرها، بوصف غزة هي ما سميت "فلسطين البديلة"، والتي سيكون لإعادة إعمارها وتطوير بنيتها التحتية، وربطها بالضفة الغربية، بعد سحب سلاح "حماس"، أهم محطات الصفقة الكبرى ومنطلقاتها.

يراهن الأردن بقوة على رفض فلسطيني للصفقة، ويعتبر أن رفض "حماس" وغزة لها هو الضامن الوحيد لمنع تنفيذها. وعليه يكون الانفتاح على "حماس" و"الإخوان" في سياق إعادة "التحالف التاريخي بين الجماعة والقصر"، حسب تعبير رئيس كتلة الإصلاح في مجلس النواب، عبد الله العكايلة، بعد لقائها الملك عبد الله الثاني أخيرا، والذي بقي، على الرغم من ضغط عربي ودولي كبير، يرفض إعلان الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وهو ما سيكون المحطة الأكثر تعقيدا في العلاقة الأردنية ــ الأميركية، إذا ما ذهبت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تصنيف الجماعة إرهابية.

يعاني الأردن من ظروف اقتصادية بالغة الدقة، وتتعرض شبكة تحالفاته العربية والإقليمية والدولية لاختبار عسير، سيكون لتداعيات الموقف الأميركي من النزاع العربي ــ الإسرائيلي آثار بالغة على الدولة الأردنية في المدى المنظور، وهو ما يحتاج، إضافة إلى المواقف المعلنة، وإعادة التموضع، وترميم العلاقة مع "الإخوان" إلى الذهاب لرص الصف الوطني، عبر إجراءات وخطوات سياسية، تمكّن الشعب الأردني من الانخراط الفاعل في مواجهة تلك التداعيات، وآثارها المتوقعة.