العدد 1365 / 12-6-2019

بقلم : حيّان جابر

يتصاعد الإجرام الأسدي والروسي تجاه مدينة إدلب وأرياف محافظة حماة وسكانها المدنيين يوما بعد يوم، ما ينذر بمجازر يومية بحق الأبرياء، وخصوصا الأطفال منهم، في ظل صمتٍ تركي ودولي، يؤكد على مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية في المقتلة السورية الممتدة منذ ثماني سنوات، إذ تبدو الصور والأحداث المأساوية في هذه المناطق اليوم كأنها نسخة طبق الأصل عمّا حدث في سائر المدن والبلدات السورية، وخصوصا في كل من حلب وغوطة دمشق الشرقية، وكأننا مقبلون على المصير نفسه، المتمثل في سيطرة النظام أو الروس عليها كاملة، عبر انسحاب قوات المعارضة المسلحة، أو عبر اتفاقيات المصالحة الروسية غالبا، كما حدث في محافظة درعا. لذا، وكي نتمكّن من مقاربة الواقع الراهن، بكل تعقيداته وتشابكاته، لا بد من العودة قليلا إلى تحليلين حاولا مقاربة الواقع في حينه، فجاء في الأول أن مصير إدلب مؤجل حتى تنفيذ الروس تعهداتهم الدولية، وخصوصا مع تركيا، وهو ما عكسه الاتفاق الروسي التركي في أيلول 2018، دون أن يغفل الإشارة إلى خطورة الاستكانة والتعويل على قدرة التوافق الدولي على حماية المدن والبلدات والمدنيين السوريين، في الأمدين، البعيد والمتوسط. في المقابل، عبّر الثاني عن مركزية الدور الأميركي في سورية، بغض النظر عن حجم وجودها العسكري، أو حتى انعدامه، والخلاصة أن تغريدة الرئيس الأميركي، ترامب، بقراره الانسحاب من سورية خلط للأوراق الدولية وإثارة للخلافات، وزعزعة الثقة بين الأطراف الدولية الفاعلة والمؤثرة في سورية.

وعليه، يمكن القول إن الإجرام الروسي الراهن تهديد لإظهار قدرة روسيا على فرط التوافق لدولي، والعودة بالصراع إلى مربعه الأول؛ فعلى الرغم من كل الإجرام الروسي والأسدي الممارس اليوم في إدلب ومحيطها، إلا أنه ما زال محكوما برغبة روسية حقيقية لاستعادة زمام السيطرة على مسار التوافق الدولي وتفاصيله، بعد العبث الترامبي به، ما قد يعني للأسف استمرار حمام الدم في الفترة القصيرة المقبلة، بالتوازي مع محدودية استحكام سيطرة القوات المحسوبة على الأسد ميدانيا، بمعنى أنه قد تخضع بعض البلدات لسيطرة النظام اليوم، والمعارضة غدا، وهلم جرا، حتى عودة التوافق الدولي أو تحطمه كلياً. وقد تعمد الروس تنفيذ تهديدهم هذا في هذه المرحلة تحديدا، من أجل استغلال الأوضاع التركية الداخلية، قبل جولة إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول، والتي تقيد سياسات الرئيس التركي، أردوغان، الخارجية، ومنها السورية، حائلة دون التصعيد مع روسيا، أو الأكراد، أو حتى الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يمنح الحملة الروسية مزيدا من الوقت، وربما يمكّنها من فرض تغييرات ميدانية مهمة، وإن كان مستبعدا حدوث خرق ميداني كبير في المدى المنظور.

من ناحية أخرى، حوّلت التغريدة الترامبية مسرحية شد الحبل التركية إلى كابوس حقيقي، إذ تقلصت قدرة أردوغان على التظاهر بأهميته الدولية، وتحدي القوى الكبرى أو معاندتها، وخصوصا الولايات المتحدة وروسيا، وهو ما وضعه أمام خياراتٍ صعبة، وحاسمة، وربما حتمية، بين الإذعان الكامل والواضح للسياسة والإدارة الأميركيتين، حتى بما يخص العلاقة مع القوات الكردية المدعومة أميركيا في سورية، أو مغادرة المركب الأميركي كاملا، والقفز نحو المركب الروسي، الأمر الذي يقلّص من قدرة تركيا على مراوغة الروس، وفرض الحد الأدنى من مصالحها. وهو ما ينعكس من خلال الهدوء التركي إعلاميا وسياسيا، مقارنةً بالصخب والغضب العارم قبل توقيع الاتفاق الروسي التركي العام الماضي، وكذلك تجاه القوات الكردية، والشروط الأميركية العسكرية والسياسية، على التوازي مع دعم خفي أو غير معلن لقوات المعارضة السورية في إدلب عسكريا، عبر دفع فصائل غصن الزيتون ودرع الفرات نحو مؤازرة المعارضة في معركتها مع روسيا والأسد، ومن خلال تزويدها بمضادّات الدروع، بما يبدو أنه تلويحٌ بقدرة تركيا على مجابهة التهديد الروسي المباشر وغير المباشر، مع تجنب التصعيد العسكري في الوقت الراهن، على أمل أن تفتح الأيام المقبلة المجال أمام عودة اللغة والتفاهم السياسي بينهما.

تسعى تركيا في هذه المرحلة الحرجة التي تسبق جولة إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول إلى احتواء التهديد والضغط الروسي، عبر أعلى درجات ضبط النفس، سياسيا وإعلاميا، ومن خلال تعزيز قدرات المعارضة السورية الدفاعية في المناطق المستهدفة، لكن ماذا إن أوغلت روسيا في عدوانها وصعّدت من حدة رسائلها وخطابها تجاه الحكومة التركية، خصوصا بعد الانتخابات، أو إن تمكّنت من دفع المعارضة نحو الانسحاب التدريجي أو السريع؟ عندها قد نكون أمام عودة الصراع الدولي بأبشع أشكاله، وهو ما قد يمتدّ إلى خارج محافظة إدلب وريف حماة، عبر استهداف بعض أهم القيادات والمراكز الأمنية والعسكرية الأسدية، نتيجة تحريك أو دعم تركي سري وعلني لبعض المجموعات النائمة داخل مناطق سيطرة النظام، مع تجنّب المساس بالمصالح والمنشآت الروسية أو الخاضعة للحماية الروسية في البدايات، ما يشكل تهديداً تركياً بإمكانية استهداف القوات والمصالح الروسية داخل سورية مستقبلاً.

في المحصلة، واضحٌ أن إدلب وسورية وقعتا رهينة التجاذبات والتوافقات الدولية منذ مدة طويلة، وأن السوريين عاجزون اليوم عن درء مكائد الدول وألاعيبها القاتلة، بعيدا عن أنفسهم ووطنهم، كما يتضح أن المرحلة المقبلة لن تقل سوءا عما سبقها، بل قد تكون أسوأ وأبشع وأشد عنفا وإجراما، وهو ما يفرض على الشعب السوري مزيداً من الحزم والإصرار والوضوح والدقة، والتمسك بأهداف الثورة الوطنية، القائمة على هدم حصون الاستبداد والاستغلال، وطرد القوى المحتلة الجهادية والطائفية والدولية، فلا فرق يُذكر بينهم، ولا جدوى من الرهان على هذا الطرف أو ذاك، فغالبا ما يتصارعون عبر قتل السوريين، وتفريقهم وتدمير وطنهم، وواضح أن صراعهم وتجاذباتهم كثيرة ومتعددة، وقد لا تنتهي إلى سنوات عدة.